التراشق بالفرانكية بين برشلونة وريال مدريد

دخل التنافس التاريخي بين ناديَي برشلونة وريال مدريد في إسبانيا منعطفاً جديداً يتخطّى مسائل الرياضة والهويّات الجهوية واللغوية وموقف الكاتالان من عاصمة المملكة، ليفتح نقاشاً حول صفحة من صفحات التاريخ الإسباني المعاصر ظلَّ التطرّق إليها محدوداً ومُتجنَّباً لفترة طويلة. 

فوسط أزمة يعيشها برشلونة نتيجة تحقيق القضاء بمزاعم حول علاقته المؤسساتية والمالية غير المشروعة بأحد أبرز حكّام كرة القدم السابقين (نيغريرا)، فتح النادي الكاتالاني النار على غريمه المدريدي، متّهماً إياه بالتحريض في القضية ومحاولة التأثير على مسارها القانوني، ثم مصعّداً حملته الى حد القول بأن نادي العاصمة كان نادي النظام أي نادي فرانكو الذي حكم البلاد بين العامين 1939 عقب الحرب الأهلية والعام 1975، عام وفاته.

ردُّ ريال مدريد لم يتأخّر، فأنتجت إدارته الإعلامية فيلماً وثائقياً قصيراً نفى الاتهامات، مذكّراً بقمع فرانكو للمدريديّين. وأشار في المقابل الى تكريم نادي برشلونة لفرانكو نفسه وإهدائه ميدالية ذهبية، وفوز الكاتالينيين بالبطولة 5 مرات والكأس الإسبانية 4 مرّات في سنوات الفرانكية الـ14 الأولى الأشد قمعاً وقسوة (1940 – 1954)، مقابل فوز ريال بالكأس مرتين فقط في تلك الحقبة وعدم فوزه بالبطولة أي مرة... 

ما حقيقةُ هذه الاتهامات المتبادلة إذن، وما الذي تشي به سياسياً أو تداخلاً بين الرياضة والسياسة في بلد تُعدّ مباراة قطبيه الكرويّين (الكلاسيكو) الأشهر في العالم والأكثر استقطاباً للمتفرّجين ولعقود التغطية التلفزيونية وإعلاناتها (شهدت آخر مباراة بينهما هذا العام نسبة متابعة قاربت نصف مليار مشاهد وعقود نقل مباشر وإعلانات من 182 دولة)؟

الفرانكية وهندسة السياسة الرياضية

ينبغي القول بدايةً إن فرانكو لم يكن يكترث بكرة القدم ولم تكن تعني شخصياً له شيئاً. ويذكُر مؤرّخو الرياضة في إسبانيا أنه قرّر "تبنّيها" بعد استتباب الأمر له في السلطة وتصفيته عشرات الآلاف من خصومه (ليضافوا الى مئات الآلاف الذين قضوا في الحرب الأهلية أو الذين أعدمتهم كتائبه خلالها)، كي ينتفع سياسياً من جماهيريّتها الضخمة في البلاد. كما أنه رعاها رسمياً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وعدم حصول إسبانيا على معونات من مشروع مارشال الإعماري في أوروبا، ليحوّلها الى عنصر حضور ونجاح على الساحة القارية يجذب الاهتمام والاستثمارات.

هكذا، دُعِمت المسابقات الوطنية على نحو واسع من الدولة بعد العام 1945 وتعاظمت أهمّيتها بعد تأسيس المسابقات الأوروبية للأندية الأبطال العام 1956.

على أن ما حصل قبل ذلك مباشرة وخلاله هو ما ارتبطت به الاتهامات المتبادلة بين برشلونة وريال مدريد. ولا شكّ أن نادي العاصمة محقّ في نفي قربه من فرانكو في السنوات التي رافقت الحرب الأهلية ثم انتصار الأخير. ذلك أن كتائب فرانكو قصفت خلال الحرب مقرّ ريال مدريد (الذي تأسّس العام 1902 ونال لقبه الملكيّ - مثل الكثير من الأندية الإسبانية - العام 1920) ونهبته وأحرقت ما تبقّى من محتوياته بعد اجتياحها للعاصمة. كما حلّت السلطات الفرانكية مجلس إدارته وروابط مشجّعيه، ولجأ رئيسه رافاييل سانشيز غويرا، الجمهوري الذي تولّى الأمانة العامة للحكومة الجمهورية الثانية المعادية للفاشية، الى المنفى الفرنسي حيث أقام خمسة وعشرين عاماً. أما رئيس ريال مدريد التاريخي سنتياغو برنابيو (الذي استلم المنصب بعد إعادة تأسيس النادي وإحياء هيئاته العام 1943 واستمرّ في منصبه حتى العام 1978)، فقد كان ملكيّاً كارهاً لفرانكو، وعبّر بعد وفاة الاخير (بكلمات بذيئة) عن مدى احتقاره للقائلين بعلاقة ناديه به.

والحقّ أن الأجهزة الفرانكية كانت في مطلع الأربعينات داعمة لنادٍ مدريدي آخر تأسس العام 1903 تحت مسمّى "نادي الطيران"، ثم تحوّل اسمه تحت تأثير روابط طلّابٍ معجبين بالنادي الأقدم والأكثر فوزاً بالألقاب في إسبانيا وقتها، أتلتيك بلباو (الباسكي)، الى نادي أتلتيكو مدريد. لكن صعود ريال مدريد لاحقاً، واستهلال حقبة من التنافس المدريدي الكاتالاني بعد تراجع أتلتيك بلباو وأتلتيكو مدريد ابتداءً من الخمسينات، ودخول ريال مدريد المسابقات الأوروبية وفوزه بكأس الأبطال لخمس مرّات متتالية جعل فرانكو يعدّه سفير إسبانيا الواجب استغلال تفوّقه لتظهيره كتفوّق للرياضة الإسبانية في عهده. فتكوّنت إثر ذلك العلاقة "الملتبسة" بين النادي والسلطات السياسية (ولعبت زوجة فرانكو دوراً في ذلك)، لتلتصق بصورة ريال مدريد فكرة القرب من فرانكو وليكرّرها البعض لاحقاً جهلاً أو لذعاً.

برشلونة من جهته (وهو تأسّس العام 1899)، لم يكن لما يمثّله جهوياً وثقافياً على علاقة جيدة بمركز السلطة في مدريد. لكنه استفاد من دعم البرجوازية التجارية الكاتالانية التي وفّرت له مداخيل أتاحت التعاقد مع لاعبين ومدرّبين جيّدين، فصعد منافساً ناديَي العاصمة والنادي الباسكي (أتلتيك بلباو) وثلاثة أندية أُخرى كانت من الأقوى إسبانياً (فالنسيا، وريال بتيس وأشبيلية الأندلسيّين). وسيطر برشلونة على النصف الثاني من الأربعينات ومطلع الخمسينات، في عزّ السطوة الفرانكية، ولم يُزحه عن الألقاب بعد سنوات إلا ريال مدريد إياه، ممّا أطلق ابتداءً من منتصف الخمسينات تنافساً وندّية حادة بين الناديَين. تخلّل كل ذلك عدد من التدخّلات السياسية من الأجهزة الفرانكية. واحدة لتسهيل تعاقد المهاجم الأرجنتيني الأعظم في زمنه دي ستيفانو مع ريال مدريد (على حساب برشلونة الذي كان يسعى أيضاً لاستقدامه الى صفوفه) العام 1953. ولمع بعد ذلك نجم دي ستيفانو مع نادي العاصمة على مدى سنوات وحصد الألقاب الوطنية والقارية ومُنح الجنسية الاسبانية وأصبح أيقونة مدريدية ثم رئيساً فخرياً للنادي. أما التدخّلان الآخران البارزان في سياق هذه المنافسة، فكانا لصالح برشلونة وحصلا حكومياً بإيعاز من فرانكو لإنقاذ النادي الكاتالاني مرّتين من الإفلاس المالي، لكي تبقى الثنائية المستقطبة اهتمام الأوروبيين والأمريكيين الجنوبيين قائمة، ولكي يجذب الناديان أفضل نجوم العالم. وهذا ما دفع برشلونة الى تنظيم تكريم لفرانكو لشكره (الأمر الذي ذكّر به المدريديون في المعركة الإعلامية الدائرة راهناً).

بهذا المعنى، يمكن أن نقول إن لا ريال مدريد ولا برشلونة كانا فعلياً ناديي النظام الفرانكي على ما يتّهم واحدهما الآخر اليوم. لكنّهما استفادا في بعض مراحل الحقبة الفرانكية من السياسات الحكومية، نتيجة سعي الدكتاتور الإسباني لتوظيف كرة القدم والشغف الجماهيري بها تبييضاً لصورته وتحسيناً لسمعته داخل إسبانيا وخارجها، وبحثاً عن دور لبلاده بوصفها معقلاً للرياضة الأكثر شعبية أوروبياً وعالمياً.

ذاكرة إسبانيا المقيّدة

على أن الأهمّ ربما ممّا ورد ومن الحملات والحملات المضادة بين غريمَين كرويّين كبيرين هو فتح النقاش والسجال حول بعض معالم الحكم الفرانكي وعلاقته بتوظيف الرياضة سياسياً. ذلك أن الصمت أو تفادي الموضوع ميّزا سنوات ما بعد الفرانكية في إسبانيا، وما زال النقاش حول فرانكو كما محاكمته يثيران التشنّج والتصادم إعلامياً وسياسياً رغم التبدّل التدريجي الذي حصل منذ العام 2000 وبروز أصوات سياسية وأكاديمية وجمعيات أهالي ضحايا لم تعد تحاذر الخوض في المسائل الأكثر إشكالية وإيلاماً في تاريخ إسبانيا في القرن العشرين.

ومردّ التجنّب أو المحاذرة في التطرّق الى الفرانكية لفترة طويلة ارتبط بعمق الانقسام المجتمعي الذي رافق مرحلة التحوّل الديموقراطي عقب موت الدكتاتور، واعتبار اقترافاته وجرائمه صفحة طواها الزمن ويُفيد عدم التطرّق إليها لتجنّب التوتّرات والاتهامات وتحميل المسؤوليات حول الحرب الأهلية وما تلاها في لحظة كانت تتطلّب إجماعات سياسية على إعادة تشكيل السلطات والأحزاب وتعديل التشريعات وإطلاق الحرّيات العامة وبناء استقلالية القضاء وتطوير المقاربات الاقتصادية والضريبية وصياغة العلاقة الجديدة الواجبة بين مدريد والمناطق الإسبانية المختلفة، وغير ذلك من متطلّبات الدولة الديموقراطية الفدرالية (الملكيّة الدستورية). يُضاف الى هذا طبعاً أن بيروقراطية الدولة نفسها التي عملت في ظلّ فرانكو، أقلّه في العقدين الأخيرين من حُكمه، استمرّت ممسكة بمفاصل الإدارة العامة لفترة من بعده، ومثلها الكثير من "النخب" السياسية والعسكرية والاقتصادية التي كانت من دعائم نظامه، والتي بقيت في مناصبها أو وجدت أدواراً جديدة لها بعد موت الـ"كاوديو" (على ما كان يُلقّب). كما أن الكنيسة الكاثوليكية، في بلد ظلّت بعض أريافه وشرائح سكّانه شديدة التديّن أو التعلّق بالطقوس الدينية، لعبت دوراً في الدعوة الى تجنّب "نكء جراح الماضي"، ليس من باب تقليد "المسامحة" فقط، بل أيضاً (وخاصةً) بسبب تاريخ الكنيسة الرسمي المتواطئ مع فرانكو والمتحالف مع نظامه بحجة مكافحة الشيوعية والفوضى والتفكّك وفرض النظام والطاعة والاستقرار.

في أي حال، تسبّبت تصريحات لابورتا رئيس برشلونة وما فيها من اتّهامات ومغالطات بفتح سجال ضروري حول علاقة الأنظمة بالأندية الرياضية الكبرى. وهو سجال حصل ويمكن أن يحصل ما يُشابهه في العديد من الدول والتجارب. والجيّد في الأمر أن التصريحات والسجالات أظهرت استخدام "الفرانكية" من قبل الطرفين بوصفها شتيمة وعاراً حاول كل طرف إلصاق تهمة التعامل معها بالطرف الآخر. وهذا في ذاته مدخل بليغ ومهمّ لتعامل "الرياضيّين" وجماهيرهم (والمُعلِنين المرتبطين بهم) مع أربعين عاماً من التاريخ الإسباني المعاصر وما شهده من انتهاكات وجرائم حرب وفاشية وحُكم دكتاتوري.

زياد ماجد

مقال منشور في ملحق القدس العربي

Commentaires