أبرز المنتخبات المرشّحة للّقب الثالث والعشرين

تبدأ اليوم مساءً مباريات الدور الأول لكأس العالم لكرة القدم 2026 بلقاء يجمع المنتخب المكسيكي المضيف ومنتخب جنوب أفريقيا، أحد ممثّلي الكرة الأفريقية العشرة.

وتتتابع مباريات هذا الدور حتى 28 حزيران، فيتأهل الى الدور الثاني 32 منتخباً، هي الأول والثاني من كلٍ من الـ12 مجموعة التي توزّعت عليها المنتخبات، إضافة الى أفضل 8 منتخبات احتلّت المركز الثالث. وتُعدّ مباراتا البرازيل والمغرب من جهة وإنكلترا وكرواتيا من جهة ثانية الأقوى في هذا الدور، ولَو أن مباريات أخرى ستجمع فرنسا والسنغال، وإسبانيا والاوروغواي، والبرتغال وكولومبيا، وألمانيا والإكوادور، لن تقلّ إثارة لتقارب مستوى المتواجهين فيها أو لاعتمادهم أساليب لعب مزعجة لخصومهم. 

وستعتمد اللجنة التحكيمية المسؤولة عن المسابقة لأول مرّة على الفيديو لمراجعة القرارات حتى من دون طلب حكم الميدان (بما في ذلك البطاقات الصفر والركلات الركنية، وليس فقط التسلّل أو ركلات الجزاء والبطاقات الحمراء). كما ستُعطي مهلاً لإضاعة الوقت وللتبديلات، يُنذَر من بعدها من لا يحترمها. وستُفرض استراحة من 3 دقائق وسط كل شوط بمعزل عن درجات الحرارة التي كانت في السابق هي المحدّد لهكذا استراحات.

أبرز المنتخبات المرشّحة للّقب

يبدو منتخبا إسبانيا (بطل أوروبا) وفرنسا (ثاني كأس العالم 2022 وبطل النسخة السابقة) المنتخبين الأكثر تكاملاً في جميع الخطوط، والأكثر قدرةً على التكيّف مع مختلف الخيارات التكتيكية، ويملك كل واحد منهما لاعبين احتياطيين لا يقلّ بعضهم شأناً عمّن سيكون في التشكيلة الرئيسية لكل مباراة. ويمكن ذكر أفضليّتين إسبانيّتين: الأولى في الخط الأهم في كرة القدم الحديثة، أي خط الوسط، والثانية في مستوى الانسجام بين لاعبي المنتخب لكون عدد أساسي منهم يلعب في نادي برشلونة منذ سنوات، وقد فازوا معه بلقب بطولة الدوري الإسباني هذا العام، بقيادة لمين يمال وبِيدري وغافي وفرنان وأولمو. في المقابل، يملك المنتخب الفرنسي أفضلية في الهجوم بوجود قوة ضاربة قوامها لاعِبَي باريس سان جرمان عثمان ديمبيلي وديزيري دوِيه ومعهما جناح بايرن ميونيخ أوليزيه الذي لا مبالغة في اعتباره أحد أفضل المهاجمين في العالم اليوم، إضافة الى ريان شركي وقائد الفريق كيليان إمبابي.

ويستطيع المنتخبان الاستحواذ على الكرة وبناء الهجمات من الخلف، كما يستطيعان الاعتماد على النقلات السريعة والهجمات المضادة واللعب في العمق من دون الحاجة الدائمة الى الإكثار من النقلات الأفقية. والأهم ربما، أن لديهما لاعبين يتقنون التعامل مع "الكرة الثانية"، أي تلك المرتدّة في منطقة الخصم بعد قطع "الكرة الأولى"، بما يخلق بسرعة فرصة تهديف ثانية.

يلي الإسبان والفرنسيين عددٌ من المنتخبات القوية التي سيكون الدور الأول بمثابة استكمال لإعدادها، خاصة أنها شهدت في الأشهر الأخيرة تجديداً في صفوف لاعبيها أو تغييراً في مدرّبيها وأجهزتها الفنية.

من هذه المنتخبات، المنتخب الأرجنتيني، حامل اللقاب، الذي سيقوده ليونيل ميسي صاحب الرقم القياسي في عدد المباريات الملعوبة في كؤوس عالم، مشاركاً كما غريمه البرتغالي كريستيانو رونالدو للمرة السادسة في هذه المسابقة الكونية. والأرجنتين فريق يملك لاعبين جيّدين في جميع المراكز، ويملك خبرة في التعامل مع ضغط البطولات بعد إحرازه في السنوات الأربع الماضية الكأس العالمية وكأس أميركا الجنوبية التي كانت تنقص خزانة نجمه. وقوّته في توازن خطوطه، وفي كون هجومه مكوّن من لاعبي أتلتيكو مدريد الإسباني، ألفاريز وسيميوني وألبادا وغونزاليس المعتادين على اللعب سوياً، الذين سيتناوبون على مجاورة ميسي ومن خلفهم خطّ وسط ومدافعين يلعب معظم الأساسيين منهم في الدوري الإنكليزي، تماماً مثل حارس مرماهم مارتينز، ولديهم لياقة بدنية عالية ولعب خشن يعرفون عادة توظيفه لتشتيت انتباه الخصم ومضايقته دون ارتكاب أخطاء تتسبّب ببطاقات حمراء. مشكلة الأرجنتينيين تبدو في الفارق في الخبرة والمستوى بين لاعبي الصفّ الأول والاحتياطيّين، خاصة إن تعرّض لاعبون لإصابات أو إن استدعت المباريات تبديلات تكتيكية في مواجهة فرق خبيرة في التكيّف مع المواجهات.

ومن المنتخبات القوية أيضاً المنتخب البرتغالي، الذي يودّع نجمه - وصاحب الرقم القياسي في تسجيل الأهداف في تاريخ اللعبة - كريستيانو رونالدو المسابقة ولا ينقص إنجازاته وألقابه غيرها، محاطاً بمجموعة من اللاعبين، لا سيّما في خطّ الوسط، من الأفضل في العالم لجهة صناعة اللعب والفرص والاستفادة من الكرات الثانية. عنينا نجما باريس سان جرمان فيتينيا ونيفيس ومعهما نجما مانسشتر سيتي ومانشيستر يونايتد سيلفا وفرناندز. ومع هؤلاء ثمّة لاعبي دفاع مثل نونيز ودياز وماندس وكونسيلاو وهجوم مثل لياو ونيتو سريعي الهمّة والبديهة. ما قد ينقص البرتغال هو القدرة على تنويع أساليب اللعب، وتحدّيه الأبرز سيكون فرض إيقاع المباريات والتعامل مع المواجهات البدنية التي تنتظر لاعبي وسطه، إذ سيكونون الأكثر تعرّضاً للرقابة وللضغط من قبل منافسيهم.

من هذه المنتخبات كذلك، المنتخب الإنكليزي (ثاني أوروبا في البطولتين السابقتين) الذي يملك فريقاً صلباً بمزيج من لاعبي خبرة ولاعبين شبّان، يقوده مدرّب ألمانيّ يعرف ثقافة الكرة الإنكليزية جيداً هو توماس توخيل، ويحاول رفع المستوى التنافسي والقدرة على التركيز الذهني حتى اللحظة الأخيرة لمجموعته التي يقودها هدّاف لامع هو هاري كاين ومن حوله بلينغهام صانع الألعاب وساكا ورشافورد ورايس ومفاجأة التشكيلة إيفان توني (لاعب الأهلي السعودي). لكن الدفاع الإنكليزي يظلّ غالباً مقلقاً، ولَو أن توخيل ركّز كثيراً على تنظيمه إن ثابتاً أو متحرّكاً عند خسارة الكرات. والأرجح أن مباراته مع المنتخب الكرواتي (ثالث النسخة الماضية وثاني سابقتها) ستكون اختباره الجدّي الأول للوقوف على مستوى توازنه دفاعاً وهجوماً.

ومن المنتخبات القوية، المنتخب الألماني بقيادة فلوريان فيرتز وموسيالا وكيميخ وروديغير وهافرتز وحارس المرمى مانويل نوير، الذي يدخل المسابقات عادة بثقة ويملك على الدوام فاعلية تهديفية تمكّنه من تجاوز فرق قد تكون أفضل منه فنياّ أو تكتيكياً، ولَو أنه منذ إحرازه الكأس العام 2014 لم يقدّم مستوى لعب يحوّله الى مرشّح أساسي للقب. وثمة أسباب عديدة لذلك. منها أنه دخل مرحلة انتقالية بعد تقاعد جيل ذهبي، لم يبلغ اللاعبون الذين خلفوهم مستواهم. ومنها أن عامود المنتخب الفقري كان لغاية العام 2014 مكوّناً من لاعبي بايرن ميونيخ الحافظين بعضهم عن ظهر قلب، لكن أبرز نجوم البايرن هم منذ فترة من غير الألمان. وربما تكون البطولة هذا العام مناسبة للتشكيلة الألمانية لتفرض نفسها كتشكيلة قادرة على الأقلّ على بلوغ المربّع الأخير.

ومن المنتخبات إياها أخيراً المنتخب البرازيلي، الذي ينتظره عشّاقه كل 4 سنوات بنفس الحماس، باعتبار البرازيل منجماً للاعبين وللمهارات الفنية. على أن المنتخب الأزرق والأصفر، الأكثر تتويجاً في تاريخ المسابقة (5 مرّات)، لم يفز باللقب منذ رفعه رونالدو وريفالدو ورونالدينو وروبرتو كارلوس العام 2002. وهو إذ يملك كتيبة من المهاجمين الاستثنائيين بقيادة فينيسوس جونيور ورافينيا ومارتينيلّي، ويملك أيضاً عدداً جيداً من لاعبي الوسط مثل كاسيميرو وباكويتا، يعاني في خطّ الدفاع رغم خبرة قائده ماركينيوس، وسيكون التحدّي الأكبر أمام مدرّبه الإيطالي كارلو أنشيلوتي هو فرض انضباط تكتيكي وتركيز من أول كل مباراة حتى آخرها، وإيجاد دور مفيد للنجم نيمار العائد من إصابات ومن مستوى متأرجح، وتجنّب فائض الانفعالات التي يتسبّب بها حماس اللاعبين والضغط الجماهيري عليهم، الذي لا يعادله ضغط في أي بلد آخر.

ولا شك أن مباراة البرازيل الأولى ستكون صعبة، فهي ضد المغرب، مفاجأة كأس العالم 2022 ورابع المسابقة، الذي يأتي ضمن الفئة الثالثة من المنتخبات القادرة على إحراز نتائج جيّدة ومجاراة المنتخبات الكبرى في المباريات الحاسمة (ولنا عودة للمغرب في مقال عن منتخبات الدول العربية المشاركة وهي إضافة إليه الجزائر وتونس ومصر والأردن والعراق والسعودية وقطر).

يمكن ذكر منتخبات قوية أخرى بوسعها التقدّم في مراحل البطولة مثل بلجيكا وهولندا وتركيا والسنغال والإكوادور والنروج والسويد وساحل العاج واليابان وكرواتيا، والمغرب طبعاً. ولديها جميعها لاعبين ذوي مهارات وخبرة وسرعة، ويمكن أن تنافس فرقاً أقوى منها خلال تسعين دقيقة، خاصة في مسابقة لا تتكرّر إلا كلّ أربع سنوات، ويعطي فيها لاعبو الفرق المتوسّطة خاصةً كلّ ما عندهم...

يبقى أن واحدة من مُتَع كرة القدم هي المفاجآت. والأمل أن تحمل النسخة الثالثة والعشرين عدداً كبيراً منها، فتعيد ترتيب ما تقدّم أو تنزع عنه ما ظنّه صواباً.

زياد ماجد

نص منشور في موقع ميغافون في 11 حزيران/يونيو 2026

Commentaires