ما الذي يمثّله المنتخب المغربي نجمُ كأس العالم 2022؟

يتخطّى التعامل مع إنجازات المنتخب المغربي لكرة القدم، الذي بلغ الدور النصف نهائي لكأس العالم المقامة في قطر، الحقل الرياضي، ليطال مجموعة حقول ثقافية واجتماعية وجيوسياسية تتداخل خالقةً حالة احتفاء شعبي استثنائي باللاعبين وأدائهم وما يجسّدونه أو يعبّرون عنه داخل الملعب وخارجه. 

وثمة مسائل ثلاث يمكن ذكرها في معرض شرح هذه الحالة والعلاقة بها.

المسألة الأولى ترتبط بما يمثّله المنتخب المغربي على صعيد الهويّة وما تُتيحه من تعاطٍ واسع مع مكوّناتها المختلفة. 

فهو منتخب المغاربة أولاً، عرباً وأمازيغ، وله تاريخ كروي عريق إذ سبق أن وصل الى دور الـ16 في جيل بودربالة وبادو الزاكي وكريمو في المكسيك في العام 1986، وكان أداؤه جيداً أيضاً في جيل عبد الجليل هدّا ومصطفى حاجي وبصير في العام 1998 في فرنسا حيث كاد يبلغ الدور إياه. لكنه طبعاً حقّق هذه المرّة بوصوله الى المربّع الأخير ما لم يحقّقه بعدُ أي منتخب من خارج أوروبا وأميركا اللاتينية (إذا ما استثنينا كوريا الجنوبية عند تنظيمها للمسابقة في العام 2002 وما رافق إطاحتها بإيطاليا وإسبانيا يومها من أخطاء تحكيمية فاضحة). 

وهو منتخب أفريقي ثانياً، لأن التمثيل في كأس العالم يتمّ من خلال التأهّل عن القارات. ومنتخبات أفريقيا تُبلي بلاءً حسناً منذ عقود، من الكاميرون الى السنغال مروراً بالجزائر ونيجيريا، ووصول ممثّلٍ لها هذه المرة الى نصف النهائي لينافس ممثّلي الأوروبيين والأميركيّين الجنوبيّين على زعامة الرياضة الأوسع شعبية هو تجسيد لتطوّر اللعبة وثقافتها في القارة الإفريقية. 

وهو منتخب عربي ثالثاً، نظراً للتعاطف الشعبي العربي (والإسلامي) الكبير معه ولشعور التماهي مع لاعبيه وأمّهاتهم وصلواتهم الموجود في الكثير من الأوساط الاجتماعية على امتداد الخارطة العربية. 

وهو رابعاً منتخب الدياسبورا والمهاجرين المغاربة (والجزائريين والتونسيّين والأفارقة عامة) المتواجدين في أوروبا الغربية (وكندا). فهؤلاء، وهم أغلبية نجوم المنتخب من الجيلين الثاني أو الثالث، خُيّر بعضهم بين اللعب لمنتخب البلد الذي وُلد وتكوّن وتدرّب كروياً فيه واللعب لبلد أهله الأصلي فاختار الثاني لهويّة ظلّت رغم تركيبها تميل الى ضفّة المتوسّط الجنوبية. وهو بالتالي منتخب الملايين من المغربيّين الذين يعيشون في فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا والبرتغال وألمانيا وكندا وغيرها، والذين يحمل الكثيرون منهم جنسية بلد العيش وينتمون إليه بقدر انتمائهم الى المغرب، ولو أن الرابطة العاطفية ظلّت تشدّهم أكثر الى أرض الأجداد (وهذا موضوع يستحقّ نقاشاً آخر في أسبابه وعلاقته بالاندماج وفُرَصه ومصاعبه وتحدّياته، كما في أهمّية رأس المال الوجداني الذي يُبقي "الأصل" و"الجذور" شديدة التأثير في مسألة تحديد الانتماء).

وكل ذلك يعني أن المنتخب المغربي يجذب إليه إضافة الى أهله المباشرين أهلاً من خرائط جغرافية ومن ديموغرافيات وثقافات مختلفة ترى كلٌ منها فيه جوانب من ذواتها، وتعدّ كل إنجاز له إنجازاً لها يستحقّ الفخر والاحتفال.

المسألة الثانية، تتعلّق بالرمزيّات السياسية وما يثيره رفع اللاعبين المغاربة وجماهيرهم في الملعب للعلم الفلسطيني.

فللأمر دلالتان: واحدة تعبّر عن مدى استمرار التعلّق الشعبي بالقضية الفلسطينية رغم كل الهزائم والنكسات والحروب الأهلية الطاحنة في معظم أنحاء العالم العربي، وعن مدى قدرة هذه القضية على خلق مواقف مشتركة وانفعالات وتمسّك بحق مسلوب ورفع راية انتماءٍ لأرض محتلة ولناس بلا دولة أو لمنتخب كروي افتراضي كان يمكن ربما للاعبيه في ظروف عادلة أن يكونوا مشاركين في هذا الكرنفال الرياضي وفي غيره. ورفع الأعلام الفلسطينية هنا، بمعزل عن محاولات توظيفه وعن الابتزاز والابتذال اللذَين امتهنتهما الأنظمة العربية وكثرة من وسائل الإعلام، فعل سياسي وتعبير عن مواقف لم تكن جماهير الكرة المغربية (ومثلها الجزائرية والتونسية والمصرية بخاصة) غائبة عنها في السنوات الماضية حيث تحوّلت مدرّجاتها في مناسبات عديدة الى مسارح تعبير عن مزاج سياسي تجاه قضايا الداخل والخارج. 

الدلالة الأُخرى مفادها أن في رفع العلم الفلسطيني، جماهيرياً على الأقل خلال مباريات المنتخب المغربي، ما يناقض التطبيع مع إسرائيل الذي اعتمده الحُكم المغربي خياراً رسمياً قبل سنوات، في مقابل الحصول على اعتراف أميركي بسيادته على الصحراء الغربية (بغضّ النظر عن مواقف رافعي الأعلام من قضية الصحراء المذكورة).

في أي حال، يعني رفع الأعلام الفلسطينية بهذه الكثافة في جميع مباريات الكأس، وليس فقط في مباريات المنتخبات العربية ومنتخب المغرب بشكل خاص، قلّة شعبية خيارات المطبّعين في شمال أفريقيا كما في الخليج.

وحتى لو انعدمت المؤدّيات السياسية المباشرة لذلك مع انتهاء أضخم حدث عالمي، فإن مشهديّتها وما رمزت إليه أمام عيون مليارات البشر تُعدّ من أوسع حملات التضامن المرئية مع الحق الفلسطيني في الوجود. 

   المسألة الثالثة كروية رياضية، تتّصل بفكرة أن منتخباً "صغيراً" سيلعب في المربّع الذهبي لأول مرّة بعد أن أطاح بـ"كبار". وفي مواجهته، ثمة منتخبان (فرنسا والأرجنتين) ربحا اللقب العالمي مرّتين (فرنسا في العامين 1998 و2018 والأرجنتين في العامين 1978 و1986)، ومنتخب (كرواتيا) وصل للنصف النهائي مرّتين (في العامين 1998 و2018) وعَبر في المرّة الثانية نحو النهائي. والمغرب بالتالي سيحتلّ واحداً من المراكز الأربعة الأولى فيحفر اسمه في تاريخ كرة القدم.

والمنتخب "الصغير" هذا، إضافة الى مرور جيلين ذكرناهما آنفاً وصلا به الى مستويات أداء رفيعة، لعب هذا العام بثقة كبيرة منذ مباراته الأولى ضد كرواتيا وانتزع منها التعادل، قبل أن يحقّق أربعة انتصارات متتالية على منتخبات تملك ثلاثة منها (بلجيكا وإسبانيا والبرتغال) لاعبين من الأفضل في العالم وكانت كلّها مرشّحة للمنافسة على اللقب أو أقلّه للدخول الى المربّع الذهبي.

ويقود المنتخب المغربي في حملته المظفّرة مدرّب وطني، الركراكي، يحسن إدارته منذ أشهر (بعد أن مكّنه المدرّب السابق البوسني وحيد خليلهودزيش من التأهّل بجدارة الى الكأس من دون خسارة أيّ من مبارياته في التصفيات الأفريقية). وكرّس الجهاز الفنّي بقيادة الركراكي مباراةً تلو مباراة مقدرة على التكيّف مع تشكيلات المنتخبات المنافِسة والتعامل مع نقاط قوّتها وضعفها. وطبّق اللاعبون الخطط في كل المباريات وأثبتوا أن إنجازاتهم هي نتيجة الانضباط والتنظيم واللياقة البدنية وتماسك خط الدفاع ومن خلفه الحارس بونو الثاقب التركيز، إضافة الى مهارة وقوة لاعبي الوسط الذين يجيدون الانتقال السريع من الدفاع الى الهجوم واللعب في المساحات بين الخطوط والتمرير عبر الجناحين أو في العمق العامودي، أي في محور الملعب، للمهاجمين المتألّقين إن بالكرات الأرضية أو المرفوعة.

وهذا يجعل الأداء المغربي موضع اعتزاز لجماهير المغرب كما لجماهير عربية وإفريقية ولمراقبي كرة القدم المعنيّين بالتكتيكات الدفاعية وبجودة الهجمات المضادة وبحسن قراءة الملعب وأشكال انتشار اللاعبين فيه. 

لِكلّ ما تقدّم إذاً، يُعدّ المغرب نجم كأس العالم 2022 من دون منازع، بمعزل عن نتيجة مواجهته الكبرى مع فرنسا في النصف نهائي، وبمعزل أيضاً عن نتيجتَي النهائي يوم الأحد المقبل أو المركز الثالث يوم السبت. 

زياد ماجد

مقال منشور في موقع ميغافون

Commentaires