عنصريّة الملاعب وشرّ التفاهة
تشهد ملاعب كرة القدم الأوروبية أحداثاً عنصرية دورية تستهدف بشكل خاص اللاعبين السود. نرى ذلك في إسبانيا ضد فينيسوس جونيور، ونراه أحياناً في إيطاليا حين يُلقى الموز باتجاه لاعبين سود. ونراه أيضاً في تعليقات عنصرية من صحافيين رياضيين ومن سياسيين في فرنسا وإنكلترا وغيرهما من الدول الغربية التي تجرّم قانونياً العنصرية في الحياة العامة، من دون أن تنجح في استئصالها أو حتى إضعافها. لا بل أنها تعود اليوم لتتقدّم بسفور مع صعود تيارات اليمين المتطرّف التي يتفاخر كثر من رموزه وناشطيه بها.
على أننا لا نتابع كفاية ما يجري في بعض ملاعب أميركا الجنوبية، لعدم وجود تغطية إعلامية أو نقل مباشر للمباريات هناك. لذلك نُصدم إذ نسمع بعض التصريحات الباراغوانية أو عدداً من الهتافات الأرجنتينية التي تتّخذ من البذاءة العنصرية هويةً لها.
لكن المتابع لكرة القدم في القارة اللاتينية، وللسجالات والعداوات التاريخية فيها، يعرف مثلاً أن الأرجنتينيين يتباهون على الدوام بأنهم بأكثريتهم الساحقة بيضٌ من نسل أوروبي خالص، وأن لا سود أو سكّان أصليين إلا في ما ندر في صفوفهم وصفوف منتخباتهم الوطنية. وهم في ذلك نقيض البرازيل خصمهم وندّهم التاريخي، ثم كولومبيا والإكوادور، حيث نسبة اللاعبين السود أو السمر عالية، وعلى خلاف تشيلي والبيرو حيث المتحدّرين من سكّان أميركا الأصليين بارزين في الحيّز العام وفي عالم كرة القدم.
والمتابع يعرف أيضاً أن ثمة تصريحات كريهة تستهدف دورياً المنتخب الفرنسي لكون أكثرية لاعبيه ونجومه سود. وقد صدر أوّلها عن النجم التاريخي للباراغواي، حارس مرمى منتخب العام 1998 تشيلافرت، المعروف بعنصريّته ورهابه المثلي، مستهدفة لون بشرة اللاعبين ومتحدّثة عنهم كما كان اليمين المتطرّف الفرنسي يفعل، بوصفهم "أفارقة" و"مهاجرين".
والمتابع يعرف كذلك كيف غنّى اللاعبون الأرجنتينيون بعد فوزهم على فرنسا في نهائي كأس العالم 2022، ثم بعد فوزهم بكوبا أميركا 2024 أغاني تسخر من "الأفارقة" الذين يلعبون بأوراق ثبوتية فرنسية، و"لا يُحسنون سوى الركض كما في أنغولا"، وهو الأمر نفسه الذي يفعله جزء من جمهورهم في المدرّجات.
وثمة الكثير من الأغاني والهتافات والتلميحات التي تستهدف السود في أميركا الجنوبية نفسها، إن في الملاعب أو في تعليقات صحافية أو سياسية، بعد تاريخ مليء بالتمييز ضدهم، بما في ذلك في نوادي كرة القدم نفسها.
على أن العنصرية وبشاعتها بلغت مرحلة جديدة في كأس العالم 2026، ولَو أن الأمر غير مفاجئ. فالكأس تلتئم في بلد يرأسه دونالد ترامب الذي يقذّع المهاجرين علانية، المكسيكيين والصوماليين بخاصة، في مرحلة ترتكب فيها شرطة الهجرة الأميركية مدعومة بوسائل إعلام شعبوية ممارسات توقيف وضرب وترحيل وتطلق النار على المتصدّين لها. وقد شهدت الأيام السابقة لانطلاق مباريات الكأس منعاً لدخول الحكم الصومالي عمر عرتن الولايات المتحدة رغم اختياره من الفيفا لقيادة مباريات. وشهدت أيضاً منعاً لمصوّر المنتخب العراقي ولإداريين من المنتخب الإيراني من دخول البلاد (إضافة الى تضييق دوري على لاعبي الأخير)، وشهدت كذلك ممارسات مهينة ضد منتخب السنغال على أرض أحد المطارات، ظلّ جياني أنفانتينو رئيس الفيفا صامتاً عنها، أو مبرّراً لها، وهو الذي سبق أن أهدى ترامب كأساً غريبة اخترعها باسم كأس السلام العالمي.
الأكثر دلالة على انفلات العنصرية من أي ضوابط هو ما جرى خلال مباراة فرنسا والباراغواي ومن بعدِها من جهة، وخلال مباراة مصر والأرجنتين من جهة ثانية. فقدّ ظهّرت صور ثم تصريحاتٌ السوقيةَ والعنصرية في أبشع أشكالها، إذ تعالت صيحات استهدفت مبابي في المباراة الأولى مواكبة لخشونة في الملعب، تلتها ألفاظ وضيعة من قبل عضوة في مجلس شيوخ الباراغواي قالت إن "قرد الشمبازي كان الأكثر فهماً وثقافة بين من التقى بهم مبابي في صِغره حين كان يرضع حليب جوز الهند بدل حليب الأطفال". أما في مباراة مصر، فقد صدرت من بعض المشجّعين في المدرّجات شتائم ضد الأفارقة والمسلمين وحركات تقلّد القردة، من دون أن تعلّق الفيفا على الأمر، ولو أن مكتب التحقيق الفدرالي الأميركي قرّر متابعة ما قال إنه "حوادث" جرت في المدرّجات.
ويمكن قول الكثير أيضاً حول تعليقات صحافيين ومدرّبين تركّز دورياً على "القوة البدنية" للمنتخبات الأفريقية، في إشارة الى كليشيه عنصري يعدّ اللاعبين السود أقوياء جسدياً وبنضج وانضباط تكتيكي – أي ذهني – محدود. الأمر ذاته يسري على تعليقات تطاول لاعبين سوداً إذ يهدرون ركلات جزاء، بذريعة صعوبة سيطرتهم على انفعالاتهم التي تؤثّر على تركيزهم في لحظات حاسمة...
العنصرية ما زالت إذاً من أبشع ما تشهده اللعبة الشعبية الأوسع انتشاراً في العالم. والقول إنها في ذلك مرآة لمجتمعات وسياسيين لم تغادر العنصرية مخيّلاتهم وخطاباتهم صحيح، لكنه لا يكفي. لأن واجب الفيفا ومسؤوليتها هو مكافحة الآفة وتجريمها في الملاعب وإيقاف اللاعبين والمدرّبين الذين يعبّرون بسفور أو بإيحاءات عنها. وهذا نادراً ما يحصل، وهو يبقى ثانوياً في سلّم أولويات "أمبراطورية" من الأقوى في العالم، ومن الأكثر فساداً.
زياد ماجد
مقال منشور في ميغافون




Commentaires
Enregistrer un commentaire